تأسس في 22 مايو 2012م
عشق الصدق والبساطة يا هلال!
2018-12-24 | منذ 4 أسبوع    قراءة: 48
توفيق الشنواح
توفيق الشنواح

 

ما زالت التفاصيل التي رافقت عشقي الأزلي بالهلال، كيانًا ونجومًا، حاضرة في وعيي ووجداني. وظلت، رغم تقادم السنين، تقاوم عوامل النسيان وترفض عوارض النزول من واجهة المشهد، إلى قاع الذاكرة!

ربما لأن ذلك الحب الصافي الصادق كالنبع الأزرق، ارتبط بالطفولة والصبا على السواء، وعُجن بعنفوان الحب الأول الذي لا يعرف المخاتلة باندفاع جارف، يأبى التردّد.

أختفي خلسة عن نظر الأهل في عزّ أيام الدراسة، باحثًا عن مكان يمكن لي فيه متابعة مباريات الهلال بعد ترصّد مبارياته في جدول الدوري السعودي ومتابعة إذاعة الرياض لأننا في منزلنا البسيط، لا نملك جهاز استقبال. إذْ كانت الأطباق المستقبلة للفضائيات العربية في بداية انتشارها، محصورة على منازل بعدد أصابع اليدين في قريتنا المهملة التي تنام بعيد اختفاء الشفق!
لم أنس تلك الليالي، وأنا أجوس الديار في عتمة الليل البهيم أرقب ماشيًا بتحفز, بيوت بعض المعارف ممّن تحظى مجالسهم بشاشات الفضائيات علّي أجد أحد أصحابها من يسألني الدخول لمشاهدة مباراة الهلال في ضيافته، وعندما يغلبني البحث المضني مع ازدياد نبضات قلب العاشق الولهان باقتراب موعد انطلاق المباراة، كان الحزن يلفني ويزيدني مكابدة أخرى مع مكابدات اليُتم والحرمان، إذْ كيف لي أن أهنأ بليلتي، فيما الثنيان وسامي والتيماوي والتمياط والدوخي ولطف والشلهوب والدعيع وياسر الخ، يسطّرون أجمل الملاحم الكروية التي سلبت علي لُبّي، فيما عاشقهم الذي يتقرفص محزونًا وراء الحدود، يكابد حرمانه لوحده في صمت تلك القرية البائسة ؟!.
مع اقتراب مباريات الحسم، أعزم على الذهاب لإحدى محطات الطرق البعيدة التي تبعد عن منزلنا خارج القرية، نحو خمسة كيلومترات، فبحكم توفرها على مواقع ومستلزمات خدمات المسافرين، توجد بها صالة تعرض مباريات الدوري السعودي. كان الذهاب إلى هناك مغامرة نظرًا لندرة السيارات الذاهبة والآتية وخصوصًا بعد العاشرة ليلاً في ريف يجرّم المباريات والسهر، إضافة لخطورة الطرقات على طفل مثلي.

كنت أجد في بعض الأقران السلوى والمؤانسة لأعود للمنزل سيرًا على الأقدام بعد الحادية عشر ليلاً منهكًا تاركًا مهمة إكمال الواجبات المدرسية لما بعد صلاة الفجر. وكله يهون لأجل الهلال!

الأكثر إدهاشًا في خضم تفاصيل هذا العشق البريء، هو اني حرم نفسي مما تشتهيه نفس يافع نحيل، وأخبئ "الريال فوق الريال"، بالرغم من أني بلا مصروف كباقي الأقران، منتظرًا على أحرّ من هجير تلك الليالي القائظة، ليصل المبلغ لأوفر قيمة شراء مجلة "عالم الرياضة"، (مجلة الشباب العربي) علّي أجد في صفحاتها الأنيقة، سلوتي من أخبار الهلال وصور نجومه. وإن لم أجد المال، وهو الحال الغالب، أستعيرها من أحد الأصدقاء قبل أن أتعهد له بإعادتها.

ظللت لفترة أبحث عن فانيلة الهلال، ولم أصدق نفسي بعد اهدائي إيّاها من قبل صديق مغترب في المملكة، لأظل مزهوًا بارتدائها، كطاووس مغرور، في ملعب فريق حارتنا ممهورة برقم 8 تيمنا بنجم الهلال خالد التيماوي نجمي المفضل الذي كنت أهيم به وبأدائه ودقة تمريراته ونشاطه الدؤوب داخل الملعب لدرجة أن أصدقائي أطلقوا علي لقب التيماوي وهو اللقب الذي أسعدني كثيرًا!.

كنت بذات القدر أتابع أخبار الهلال، من الصحف كالنادي والرياضية وما تيسر لي الحصول عليه من المطبوعات القادمة مع عدد من المغتربين القادمين من الرياض. عرفت أعضاء شرف الهلال ومسؤوليه، وفي مقدمتهم بندر بن محمد، غير أن الأمير الشاب، نواف بن سعد، ظل ذلك الشاب الملهم الذي كل ما رأيته، أشعر بارتياح وثقة مطلقة. كنتُ أرى في عينيه حبًا لا يُضاهى للهلال وللكيان الأزرق برمته، ووجه "سعد" للهلال. ولهذا فقد نال قدرًا كبيرًا من محبة في قلبي. وصدقت تنبؤاتي بُعيد توليه قيادة دفّة السفينة الزرقاء فيما بعد، فقد قدّم الكثير، وترك الأثر الأكثر رغم قصر الفترة التي تولاها.

أجمل ما في حكاية حب الهلال، أن عشاقه يشعرون منه بذات الشعور إثر كل بطولة يحققها، فالحب لابد أن يتوج بمشاعر الود المتبادلة، وهو ما يفعله الهلال، ورجال الهلال مع الجماهير الزرقاء التي تملأ الوطن العربي الكبير.

[email protected]



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

إضافة تعليق