تأسس في 22 مايو 2012م
مرثية الروح .. وأنشودة القلب!!
2014-10-04 | منذ 4 سنة    قراءة: 8895
 علي الدبعي
علي الدبعي


عامان مضيا على رحيلها .. هناك حيث كنا سوياًّ في قاهرة المعز ودعتني..اختارها الملك المقتدر لتكون قريبة منه .


عامان ، ولا زلت اكتسي ألم الفراق واعتصر حزني ..عامان، وطيفها لم يفارق خيالي وهمساتها تصدح في أذني .

عامان ولا يزال أثرها باقياً في أرجاء غرفتي: ريحها، عبقها، هما ما تبقى لي بعد رحيلها..

عامان مضيا على اليوم الذي أسدل فيه الموت بيني وبينها الحجاب.. ولا تزال كآبة الدنيا في وجهي وحول قلبي كما هي ، لم يغلق الهم دوني بابه ، ولم يفتح الأنس أمامي نحوه من سبيل ، فلا أرى من ذلك كله إلا ما يذكرني بربيع أيامي معها ويعيدني إلى عبير الدنيا في أنفاسك ، ويمرغني على شاطئ سندسي خلاب من دنيا عينيك الجميلتين

يا منية النفس ، وتوأم الروح وأنشودة القلب .. يا رفيقة الدرب في حياتي وبعد موتي .. يا أنيسة العمر طيفاَ وروحا في عالم الأحياء .. وسرا روحانيا عظيما في عالم الأموات ..

لقد زادني موتك حبا على حب ، ولسوف يبقى حبي لك في ازدياد ، لأن مثل هذا الحب يولد ميلادا جديدا بالموت ، حتى يتم الله فضله ، وتحين ساعة اللقاء.

ريحانة قلبي ، وبهجة فؤادي.. لم يعد هناك ما يستحق الاهتمام بعد رحيلك : الناس والأصدقاء الذين اكتأبوا لمصابي ولبسوا سمات الحزن في وجوههم من اجلي ، خلعوا سماهم بعد ساعات ، وانفضت عني جموعهم ، وانصرف كل إلى شانه ودنياه.

حتى الأقربون من اهلك بكوا ، أو تباكوا لي حينا من الوقت ، ثم ما كادت جعبة ذاكرتهم تفرغ من عبارات الحزن والآلام ، وما كادت ألسنتهم تمل من تكرارها ، حتى عادوا هم أيضا ( فيما بينهم ) إلى لهوهم ، وأفراحهم ، وعادت لياليهم كما كانت ..لقد تابع الزمن مساره من بعدك كما كان ، وتابع الناس معه رحلتهم الصاخبة خلال الحياة .. وبقيت وحدي الغريب بينهم ، المتخلف عن ركابهم ، الشارد عن سبيلهم..

ها أنا أفتش مجددا في أوراقي .. بصدق الشعور وعفوية التعبير أما الحادثة فقد طويت.. وأما المصاب فقد أبدلني الله عز وجل عنه خيرا.. وأما هذه الكلمات ، فقيمة فنية باقية وتخليد لوفاء جميل عمره الدهر كله.

ابنتي شهد - 8 أعوام - : لقد عشت معي تفاصيل مشهد رحيل أمك في قاهرة المعز ، وكنت حينها مصدر قوتي ..

هل تذكرين سؤالك عن الجنة قبل وفاة ( أمك ) بثلاثة أيام فقط ؟ .. وبعفويتك طرحت الآتي : ( ماما ايش هي الجنة .. وأيش فيها .. ومن يدخلها ؟)


وبعد الإجابة التوضيحية والمنطقية من قبل ( أمك ) .. الحقتي ذلك السؤال .. بسؤال أخر: ( يعني كلنا با ندخل الجنة ؟!) ..

اجابت أمك عليك : ( إن شاء الله – نعم ) ..كل تلك الأسئلة وأنا أتأمل في طرحك العجيب والمذهل.. وفي ذلك التوقيت..

ابنتي " شهد " لم ولن أنسى ..عندما امتدت يدك لتمسح لي دموعي بعد وفاة أمك بساعة من الزمن ..حين حاولت أن تخففي من ألمي ..وأنت تحبسين دموعك في حدقات عينك : ( بابا ليش تبكي ..ماما مش قالت أننا بنروح الجنة ..طيب خلاص ليش تبكي .. لأن أمي الآن في الجنة ونحن با نروح الجنة يعني بانشوفها في الجنة )

اااااااااه ما أصعبها من لحظات .. انطقها المولى عز وجل لتكون لي مواسيًا لمصابي الكبير .. ومخففاً عن آلا لام حزني الذي اكتويت به

ابنتي " شهد " هل تذكرين حينما كنا سويا على متن الطائرة ونحن عائدون.. فسألتني أين هي ماما ؟ .. فكان الجواب صعبا ..لساني تسمر ولم يستطع الرد .. وبعد محاولات مني للملمت أنفاسي : أمك أسفل الطائرة في تابوت الموت ..فما كان منك إلا أن استدرت بوجهك إلى نافذة الطائرة تخفين دمعتك التي لم أرها لحظة وفاة ( أمك ) .. وكأن لسان حالك يقول ذهبنا إلى القاهرة ثلاثا وعدنا اثنين..

بااااااااه كم هو مؤلم أن تعيش طفلة لم تتجاوز الستة أعوام حينها مشهد رحيل أمها دون أن تشاهدها مرة آخرة ( الرحيل الأبدي ) ..

اااااااااه .. أيها الليل تُقبل محملاً بذكريات مؤلمة ،وترحل بعد أن تكون قد قلبت الوجع ، ونبشت مابين الضلوع ..

( شهد ) لا تحزني بنيتي لقد استجاب الله لدعوتي وأخلفك الله ( أما ) تحمل في طياتها الكثير من الحنان والحب لك ولا أخوتك .. أما ( أمك ) الراحلة فقد اختارها من لا يحمد سواه لتكون قريبة منه .. وإنني على يقين أننا سنلتقي وسأنفذ لها من الباب الذي سبقتني إليه .. ولسوف تعود قصة حبنا من جديد .. هذا إن أكرمني الله بخاتمة ترضية ..

نامي قريرة العين أيها الزوجة الصالحة.. وليغفر الله لك .. ويحسن مثواك ..


مقالات أخرى للكاتب

  • سنه اولى ..تألق ..مهنية ..وابداع .

  • التعليقات

    إضافة تعليق